سورة الأنبياء (21:30) ومسألة «الإعجاز العلمي»

الآية القرآنية
سورة الأنبياء (21)، الآية 30:
«أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ»
يُفسِّر بعض المؤمنين هذه الآية أحيانًا على أنها إشارة مسبقة إلى نظرية الانفجار العظيم (Big Bang)، وهي النظرية الكونية الحديثة التي تصف نشأة الكون وتوسّعه.
ومع ذلك، فإن تفسير هذا المقطع محلّ نقاش. إذ يرى عدد من الباحثين والنقّاد أن هذه الآية لا تمثل بالضرورة وصفًا علميًا حديثًا لأصل الكون.
مسألة طبيعة «السماء»
في اللغة القرآنية، يمكن أن يحمل مصطلح «السماء» (السَّماء) عدة معانٍ، مثل القبة السماوية أو الفضاء العلوي أو الكون المرئي.
ومن منظور العلم الحديث، فإن ما يُسمّى بالسماء يشير أساسًا إلى الفضاء الكوني، وهو يتكوّن في معظمه من فراغ ويحتوي على المجرّات والنجوم وبُنى كونية أخرى.
وفي هذا السياق، يشير بعض النقّاد إلى أن التعبير الذي يتحدث عن «كتلة واحدة» من السماء والأرض لا يتوافق مباشرة مع النماذج العلمية المعاصرة.
الاختلافات الزمنية بحسب علم الكونيات الحديث
تشير تقديرات علم الكونيات المعاصر إلى أن:
عمر الكون يقارب 13.8 مليار سنة؛
بينما تشكّلت الأرض منذ حوالي 4.5 مليار سنة.
وهذا يعني أن الأرض ظهرت بعد نشأة الكون بزمن طويل، وليس في الوقت نفسه.
لذلك يرى بعض المعلقين أن صياغة الآية تعكس تصورًا كونيًا قديمًا أكثر مما تعكس وصفًا علميًا دقيقًا.
أفكار مشابهة في الكوسمولوجيات القديمة
إن فكرة أن السماء والأرض كانتا متحدتين في البداية ثم انفصلتا ليست حكرًا على النص القرآني، إذ تظهر أفكار مشابهة في عدة تقاليد قديمة.
ملحمة جلجامش
في بعض التقاليد الرافدية القديمة، يُذكر أن السماء والأرض قد فُصلتا عند بداية العالم.
يوربيديس
كما أشار الكاتب المسرحي اليوناني يوربيديس إلى فكرة أن السماء والأرض كانتا في البداية كيانًا واحدًا قبل أن تنفصلا.
أناكساغوراس
أما الفيلسوف اليوناني أناكساغوراس فقد اعتبر أن كل الأشياء كانت في البداية مختلطة في كتلة غير متميزة، قبل أن يأتي مبدأ عقلي (النوس) وينظمها ويفصل عناصرها.
التفسيرات والنقاشات
دفعت هذه التشابهات بعض الباحثين إلى القول إن التصورات الكونية الموجودة في النصوص الدينية تنتمي إلى سياق فكري أوسع كان مشتركًا بين عدة حضارات قديمة.
فبالنسبة للمؤمنين، يمكن فهم هذه الآية على أنها تعبير رمزي أو لاهوتي عن الخلق الإلهي.
أما بالنسبة للنقّاد، فقد تعكس تصورات كونية قديمة كانت شائعة في ثقافات متعددة.
الخاتمة
تبقى مسألة ما إذا كانت بعض النصوص الدينية تتضمن إشارات علمية استباقية موضوعًا للنقاش. وتختلف التفسيرات بحسب المنظور المتبع، سواء كان لاهوتيًا أو تاريخيًا أو علميًا.
وتُظهر دراسة هذه النصوص أهمية السياق الثقافي والفكري الذي ظهرت فيه، إضافة إلى تنوع القراءات والتفسيرات التي ما زالت تثيرها حتى اليوم.