صعود الإسلام في فرنسا: أمام حماسة إسلامية لا تضعف، تبرز الحاجة الملحّة إلى نهوض مسيح!

الأرقام واضحة—صارمة ومقلقة. إنها ترسم صورة لفرنسا تغيّر ملامحها الروحية بسرعة تاريخية، ويُفترض أن تكون بمثابة صدمة كهربائية تدفع إلى تجديد مسيحي حقيقي، في حين أن الإسلام، من جهته، لا يُظهر أي علامة على التراجع. ففي عام 1985، كان المسلمون يمثّلون 0.5% من السكان؛ واليوم أصبحوا 7%، وهي زيادة هائلة خلال أربعين عاماً، بينما يشهد المسيحية تآكلاً مستمراً.
الدراسة التي أجراها معهد “إيفوب” بعنوان «لمحة عن علاقة المسلمين في فرنسا بالإسلام والإسلاموية» (نوفمبر 2025)، لا تكتفي بقياس حجم الحضور، بل تكشف عن شدة الإيمان وتحول ثقافي يستحق التوقف عنده. ففي حين انهار الكاثوليكية—من 83% من السكان عام 1986 إلى 43% عام 2025—يترسّخ الإسلام مدفوعاً بشباب تتجاوز حماستهم حماسة الأجيال السابقة.
تديّن متّقد تقوده الفئة الشابة
بعيداً عن نظريات العلمنة الحتمية في المجتمعات الحديثة، يُظهر الإسلام في فرنسا حيوية لافتة. فاليوم، يصف 80% من المسلمين الفرنسيين أنفسهم بأنهم «متديّنون»، مقابل 48% فقط في المتوسط بين أتباع الديانات الأخرى. وما يلفت الانتباه هو انقلاب المنحنى الجيلي: فكلما كان المسلم أصغر سنّاً، كان أكثر تديناً.
ففي حين يعتبر 73% من المسلمين فوق سن الخمسين أنفسهم متدينين، يرتفع هذا الرقم إلى 87% بين الفئة العمرية 15–24. وتناقض هذه المعطيات فكرة الاندماج عبر العلمنة. بل على العكس، نشهد إعادة تأكيد قوية للهوية: 62% من المسلمين يصلّون يومياً (مقابل 18% من أتباع الديانات الأخرى)، وهذه الممارسة أكثر وضوحاً بين الشباب (67%).
الأرثوبراكسيا كعلامة اجتماعية
هذا التديّن لا يُعاش في الخفاء فحسب، بل يُشكّل الفضاء العام والإيقاع الاجتماعي. فقد أصبح صيام رمضان قاعدة راسخة، ويُؤدّى كاملاً من 73% من المسلمين—ومن 82% لدى من هم دون الخامسة والعشرين.
كما تزداد مرئية الانتماء الديني عبر اللباس. ففي عام 2025، ترتدي 31% من النساء المسلمات الحجاب، وهو رقم تضاعف تقريباً منذ 2003 (16%). ومرة أخرى، الفجوة الجيلية واضحة: 44% من الفتيات بين 15 و24 يرتدينه، مقابل 16% فقط من النساء فوق الخمسين. ولدى 80% من اللواتي يرتدينه، السبب الأول هو «واجب ديني».
وبالمثل، فإن حضور صلاة الجمعة—مؤشر الممارسة الجماعية—ارتفع من 7% عام 1989 إلى 35% عام 2025.
قطيعة ثقافية ومعرفية
تُظهر بيانات “إيفوب” اتساع الفجوة بين النظرة الإسلامية للعالم والأساس الثقافي الغربي، لا سيما في العلاقة بين الحقيقة والقانون.
العلم مقابل الإيمان: عند حدوث تعارض بين العلم والدين حول خلق العالم، يرى 65% من المسلمين أن الدين على حق. وترتفع هذه النسبة إلى 81% بين الفئة العمرية 15–24.
شريعة الله مقابل قانون الجمهورية: في مواضيع حاسمة (الأسرة، الميراث)، يفضّل 44% من المسلمين قواعد دينهم على القوانين الفرنسية. وبين الفئة 15–24، يختار 57% الشريعة على حساب الجمهورية.
وما هو أكثر إثارة للقلق، أن 46% من المسلمين يعتقدون أنه يجب تطبيق الشريعة—ولو جزئياً—في البلدان غير المسلمة. ويتقاسم هذا التوجه 59% من الشباب دون 25.
هالة الإسلاموية
تكشف الدراسة أيضاً قابلية متزايدة للأطروحات المتشددة. فبينما كان مصطلح «الإسلامي» في الماضي منفّراً، تبدل الوضع. اليوم، يوافق 38% من المسلمين على «بعض» مواقف الإسلاميين على الأقل، وترتفع النسبة إلى 57% بين الشباب.
أما التعاطف مع حركات منظمة مثل جماعة الإخوان المسلمين فيشمل الآن نحو ربع المسلمين (24%) ونحو ثلث الشباب (32%).
هذه الإحصاءات ترسم صورة لدين في حالة توسع، واثق من نفسه ومن عقائده، لا يعرف الشك. وأمام هذه الحقيقة، فإن تراجع المسيحية ليس قدراً محتوماً، بل دعوة إلى العمل. فالإسلام لن يضعف من تلقاء نفسه؛ حيويته الديمغرافية والروحية واقع يجب التعامل معه.
ولهذا فإن الخلاصة واضحة: لقد حان الوقت للعمل من أجل نهضة مسيحية حقيقية—جريئة وغير خجولة. هذه هي المهمة التي تتولاها نور العالم. أكثر من أي وقت مضى، من الضروري كشف العيوب الفكرية والتاريخية في الإسلام، وفي الوقت ذاته إعلان البشارة المسيحية للمسلمين. فمقابل إيمان قوي وراسخ، لا يقدم البديلَ إلا إيمانٌ أكثر حيوية ومؤسَّس على الحقيقة.